نوفمبر 14، 2012

مُلحد و سيدة فلاحة


منذ سنوات تطوع أحد الأشخاص المتعلمين أن يجول من مدينة إلى أخرى يبث أفكاره الإلحادية على الجماهير، وكان ببلاغته يُشكك الحاضرين في الإيمان باللَّه، حاسبًا ذلك تخلفًا، ودراسة الكتاب المقدس جهلاً، والخلاص بدم المسيح جهالة.
التقى بعددٍ كبيرٍ من الجمهور في قاعة ضخمة بمدينة ما وصار يتحدث معهم ببلاغة فائقة، وإذ شعر أنه قد سيطر على عقول الحاضرين ومشاعرهم، في اعتزاز صرخ أمام الجميع: "إن كان اللَّه القدير موجودًا فليُعلن ذاته بأن يضربني بالموت حالاً". وفي سخرية قال: "انظروا إنه لا يوجد اللَّه".
فجأة سارت نحوه سيدة فلاحة صغيرة وبأدب قالت له: "سيدي، إنني لا أستطيع أن أقف أمام حججك، فأنت متعلم وأنا فلاحة بسيطة غير متعلمة. لكنني أطلب منك وأنت إنسان كلك حكمة وعقل وعلم أنت تجيبني على سؤال يحيرني".
في اعتزاز قال لها: "لتسألي..."
سألت السيدة: "أنا إنسانة بسيطة، آمنت بسيدي يسوع المسيح الذي يحبني وقد مات لأجلي. إيماني به يملأ كياني فرحًا، انتظر الموت في رجاء حيّ أن أكون معه. أسألك يا سيدي: ما هي خسارتي إن فوجئت أنه لا يوجد إله ولا خلاص ولا حياة أبدية عندما أموت؟
حدث صمت رهيب في القاعة، أما المحاضر الملحد ففي شيٍء من السخرية قال لها: "لن تخسري شيئًا لأنك بعد الموت لا تقفين أمام أحد، ولا يكون لك وجود!"
قالت السيدة الفلاحة: "أشكرك يا سيدي لأنك أجبت على سؤالي. هل تسمح لي بسؤال آخر فقط؟
في كبرياء قال لها: "اسألي..."
سألته: "عندما يأتي دورك فتموت، ماذا يكون موقفك أن اكتشفت أنك تقف أمام اللَّه الذي تُهينه، وأن الكتاب المقدس حق، والخلاص الذي ازدريت به حقيقة واقعية؟!"
صمت المحاضر بينما ارتبكت كل الجماهير فيما بينها... وتشكك الكل في أحاديث المُلحد الكاذبة.

* وهبتني عقلًا وحكمة لأتعرف عليك، لتقدس بصيرتي فأراك! ليراك الكل فيفرحوا بك، لينتظر الكل اللقاء معك!

قصص قصيرة لأبونا تادرس يعقوب – جزء 1 – قصة رقم - 190

انتقل من الموت إلى الحياة



لاحظ الصبي مارك على وجه والدته ابتسامة عريضة فسألها: "لماذا أراك متهللة يا أُماه!" أجابت الأم: "لقد سمعت عظة على وعد السيد المسيح لنا: "الحق أقول لكم إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة" (يو24:5). صارت الأم تشرح لابنها هذا الوعد الإلهي، وكيف أدركت يقين عمل السيد المسيح الخلاصي، الذي في استحقاقات دمه ننتقل دومًا من موت الخطية إلى الحياة الجديدة التي لنا فيه.

فتح الاثنان الكتاب المقدس ووضع الصبي خطًا تحت الوعد الإلهي، وحفظ الوعد عن ظهر قلبه. صار يردده طول النهار... وكانت نفسه تمتلئ فرحًا.

إذ عبرت أيام قليلة دخل الصبي البيت فوجد والدته في كآبة، فقد فقدت فرحها الداخلي. تطلع مارك إلى والدته بدهشة وهو يقول: "ماذا حدث يا أُماه؟ ألعلّ الآية قد تغيرت؟ سأذهب وأرى!" ثم أسرع إلى حجرتها وأحضرالكتاب المقدس، ثم فتحه وهو يقول لها: "إنها لم تتغير إنها ذات الآية التي كنا نقرأها... الوعد الإلهي لم يتغير".

لأحفظ مواعيدك الإلهية الصادقة، فتحفظني دائمًا متهللًا وناميًا‍‍‍!

* لتنقشها في قلبي، ولترسمها أمام عيني، فلا أعود أنساها!

* هذا هو وعدك الحيّ: أن تهبني ذاتك يا أيها القيامة! بك أحيا ومعك أتمجد يا بهجة قلبي.

قصص قصيرة لأبونا تادرس يعقوب ملطى - جزء 1 - قصة رقم 189


نوفمبر 13، 2012

لم اسمع شيئاً


عند باب مبنى أسقفية الفيوم القديم سأل الأب الكاهن عن أبيه الأسقف نيافة الأنبا أبرآم، فقيل له أنه جالس على الأريكة (الدكة) كعادته فدخل إليه.


إذ رآه الأب الأسقف همّ عليه مسرعًا في بشاشة ليحتضنه ويقبّله، ثم سأله عن أخباره، فتنهد الأب الكاهن بمرارة وهو يقول:

- لم أنم الليل كله يا أبي الأسقف.

- لماذا؟

- بسبب زميلي الكاهن.

هنا صمت الأب الأسقف دون أن تظهر على وجهه أية ملامح، لكن الكاهن استرسل في الحديث عن زميله الكاهن. وإذ طال الحديث جدًا والكاهن يشكو زميله استدعى الأنبا أبرآم أحد العاملين في الأسقفية يدعى رزق، وسأله أن يهيئ له فنجان قهوة.

شرب الكاهن الفنجان واسترسل أيضًا في الحديث، وإذ أطال عاد نيافته فطلب للكاهن فنجانًا آخر.

عاد الأب الكاهن يتحدث في مرارة، والأسقف لا ينطق ببنت شفة ولا ظهرت أيّة علامة تعبر عن شيء كانعكاس لما يسمعه. وأخيرًا ختم الكاهن حديثة هكذا: "لقد أطلت الحديث عليك يا أبي الأسقف لكنك لم تجبني بكلمة ولا أرشدتني ماذا أفعل". عندئذ تطلع إليه الأب الأسقف وهو يقول: "سأطلب لك فنجان قهوة يزن عقلك... صدقني إني لم أسمع شيئًا من كل ما قلته".

خجل الكاهن جدًا من نفسه واعتذر عما صدر منه من شكوى ضد الكاهن زميله، طالبًا منه أن يصلي من أجله حتى يقدر أن يضبط لسانه بل وفكره فلا يدين أحدًا، انحنى برأسه يعتذر عما قاله، سائلًا الأب الأسقف أن يصلي من أجله لكي يعطيه الرب حلًا عن خطاياه.

خرج الأب الكاهن من حضرة أبيه الأسقف ليجد أمامه زميله الكاهن فاحتضنه وقبَّله ناسيًا كل ما صدر منه.

عاد الكاهن إلى الأب الأسقف وأسرع بعد فترة ليست بطويلة فسأله الأسقف عن حال زميله، فأجاب الكاهن أن كل الأمور تسير بخير وأنه يشعر بأن زميله الذي كان قبلًا يراه كمُضايق له قد صار لطيفًا معه للغاية، بل ويشعر أنه غير مستحق لزمالته ونوال بركته، وكان الكاهن يمتدح زميله جدًا، ففرح به الأسقف، وتطلع إليه ببشاشة وهو يقول له: "أسرع إلى الكنيسة واشترك في صلاة القداس الإلهي".

خرج الأب الكاهن من حضرة أبيه الأسقف وأسرع إلى الكنيسة حيث اشترك مع الآباء الحاضرين في القداس، وكان متهللًا جدًا، يشعر بلذة روحية فائقة، وكانت نفسه كأنها منطلقة في السموات عينها.

انتهى القداس الإلهي بسرعة عجيبة، وانطلق الكاهن يحمل "قربانة حمل" نحو الباب الخارجي، ففوجئ به مغلقًا. أخذ الكاهن يقرع باب الكنيسة حتى فتح له الفراش وهو مندهش.

- كيف دخلت يا أبي الكنيسة؟

- كان الباب مفتوحًا.

- أنا لم أفتحه بعد.

- كيف هذا؟ فإنني اشتركت مع بعض الآباء في خدمة القداس الإلهي.

- أي قداس؟

- القداس الإلهي.

- لم يُقم اليوم قداس إلهي.

- أقول لك أنني اشتركت في الصلاة بنفسي، وها هي "قربانة الحمل".

عندئذ أدرك الأب أنه إنما كان يصلي القداس الإلهي مشتركًا مع جماعة من الآباء السواح مكافأة له عن تركه إدانة أخيه الكاهن واتساع قلبه بالحب .

ليصمت لساني عن الإدانة، فيرفع قلبي وفكري إلى سمواتك،

* ليتني لا انشغل بضعفات الآخرين،فأتمتع بشركة السمائيين!

* هب لي ألا أدين أحدًا، فأهرب من الدينونة الأبدية!


قصص قصيرة لأبونا تادرس يعقوب ملطى - جزء 1 - قصة رقم - 188

الحلوانى العجيب


كان العم بشاي الحلوانى رجلاً أميناً وبسيطاً للغاية، يسير بعربته التى ملأها بالحلوى في شوارع شبرا يبيع للأطفال، خاصة بجوار إحدى مدارس شبرا.
كان العم بشاي محباً للإنجيل ، يأتيه بعض أصدقائه ليجالسوه فيقدم لهم إنجيله الذي لا يعرف القراءة فيه، ويسألهم أن يقرءوا له منه بعض الفصول أو حتى بعض الفقرات.
وفي أحد الأيام لاحظ العم بشاي أحد جيرانه قادماً إليه من بعيد وقد ظهرت عليه علامات الارتباك الشديد ، وفي هدوء شديد قال العم بشاي:
- سلام يا أخى.
+ سلام ياعم بشاى.
- خيراً!
كل الأمور تسير في خير، إنما السيدة أم مجدى تشعر بألم و تطلب منك إن أمكن أن تترك العربة لأحد أصدقائك و تذهب إليها .
ارتبك العم بشاي قليلاً فقد ترك زوجته،أم مجدى، في الصباح حيث كانت تشعر بقليل من الألم، لكن لم يكن يظن أن الأمر فيه خطورة، فقد أخفت الكثير من آلامها وراء ابتسامتها الرقيقة و وكلماتها الغذبة معه ومع أولادهما الثمانية.
رشم العم بشاي نفسه بعلامة الصليب، ورفع قلبه نحو السماء يصلى لأجل زوجته،ثم سار نحو بيته حيث وجد باب حجرته - في الدور الأرضى- مفتوحاً وقد التفت النساء الفقيرات حول زوجته المسكينة في الحجرة الوحيدة التى تعيش فيها كل العائلة. لقد اعتادت هؤلاء النسوة أن يزرن البيت ويأخذن معونة بسيطة من السيدة أم مجدى.
إذ رأى الرجل هذا المنظر، خاصة وقد بدأت النسوة يعزينه في زوجته التى ماتت، تمالك نفسه قليلاً وفي هدوء طلب منهن أن يتركن الحجرة ألى حين و معهن أولاده، ودخل الرجل حجرته ليقترب من زوجته الممتدة على السرير بلا نفس، جثة هامدة. في إيمان عجيب ركع العم بشاى، وهو يصرخ في بساطة قلب، " أنت أعطيتني يارب ثمانية أولاد وأعطيتنى هذه الزوجة عموداً للبيت تربى أولادى فكيف تأخذها منا؟ من يستطيع أن يربى هؤلاء الأولاد؟"
انزرفت الدموع من عينيه بلا حساب و هو يعاتب الله متمتماً بكلمات غير مسموعة، وإذ هو غارق في دموعه سمع كلمات واضحة: لقد وهبت زوجتك خمسة عشرة عاماً كما فعلت قبلاً مع حزقيا الملك.
هنا استرد الرجل انفاسه ليشكر الله على هطيته ورعايته، ثم نادى النسوة ان يدخلن الحجرة و طلب منهن أن يقدمن لها طعاماً.
في بساطة مملوءة أيماناً، قال الرجل لزوجته: يا أم مجدى قومى لتأكلى"
وإذا بالسيدة تفتح عينيها و بعد دقائق صارت تأكل.
خرج العم بشاى من بيته وهو يشكر الله على عظيم رعايته، وإذ وجد أحد معارفه سأله أن يكتب له تاريخ اليوم في ورقة صغيرة ليضعها في محفظته.
مرت الأيام و السنين وإذا بالعم بشاي يشيخ وقد ربى أولاده الثمانية خلال عمله كبائع حلويات. وفي أحد الايام جاءه رجل يقول له بأن أم مجدى مريضة جداً.
أخرج الرجل الورقة من محفظته وسأله ان يقرأ له التاريخ المكتوب عليها، وإذ عرف أنه قد مرت خمسة عشرة عاماً تماماً أدرك أن وقت نياحتها قد حان، وعندئذ نزلت الدموع من عينيه وهو يسرع نحو بيته يقود عربة الحلوى.
دخل الرجل حجرته حيث ارتمى بجوار السرير و هو يقول لزوجته:
" وداعاً يا أم مجدى!وداعاً!
أشكرك يارب لأنك تركتها لي كل هذا الزمان لتربى أولادها و تعيننى.
الآن استريحى يا أم مجدى في الرب.
"اذكرينى عند ربي يسوع المسيح!"
+ما أعذبك يا خالقي، تهبنى عذوبة و تهليلاً في حياتى اليومية.
و تمنحنى سلاماً و بهجة في رحيلى.
إن عشت فلك أعيش، وإن مت فلك أموت . أنت هو حياتي و مجدي الأبدي!

قصص قصيرة لابونا تادرس يعقوب ملطى قصة رقم 187 الجزء الاول 

نوفمبر 03، 2012

إنى مدين لكِ بكل شىء يا أماه


في ولاية جورجيا إذ تخرج ابن أرملة وحيد، وكان الأول على كليته، ترقب يوم الاحتفال بالتخرج ليتسلم من رئيس الجامعة نيشانًا خاصًا، كما ينال مدالية ذهبية لأنه أظهر نبوغًا خاصًا في دراسة معينة.
جاء يوم الاحتفال وإذ لاحظ الابن أن والدته لم تستعد للحفل، سألها: "اليوم هو يوم الاحتفال بتخرجي وأراكِ لا تستعدين للذهاب معي إلى الحفل، لماذا؟"

بصوتٍ مملوءٍ اتضاعًا قالت له الأم: "أنت تعلم يا ابني إني فقيرة جدًا، وأقوم بغسل ملابس الناس لأجد ما نعيش به، أنت وأنا. وسيأتي إلى الحفل أغنياء المدينة وعظماؤها بملابسهم الفاخرة، فلا أريد أن أسبب لك حرجًا، إذ ليس لديَّ ملابس لائقة بالحفل. إني أخشى أن تخجل مني!"
تطلع الابن إلى أمه، وتسلّلت الدموع من عينيه، وهو يقول:
"ماذا تقولين يا أماه؟!
أنا أخجل منكِ؟!
إني مدين لكِ بكل شيء يا أمّاه!
كل ما لي في الحياة هو بفضل محبتك وتعبكِ.
إني لن أذهب إلى الحفل بدونك".
أصر الابن ألا يذهب إلى الحفل بدونها، واقتنعت الأم التي بذلت كل الجهد لإرضائه. سارا معًا يمسكان أيديهما بعضهما البعض حتى دخلا قاعة الاحتفال. وجلست الأم بملابسها الرخيصة بين الأغنياء.
أخذ الابن موقعه على المنصة كأول الدفعة، وقدم له رئيس الجامعة نيشانًا ومدالية ذهبية بعد أن امتدحه كثيرًا. وإذ كان الكل يصفق له حمل المدالية بين يديه ونزل من المنصة، وذهب إلى والدته وثبتها في ملابسها. ووقف يقول أمام الجميع: "هذه الميدالية من حقك يا أمّاه، أنتِ تستحقينها! إني مدين لكِ بكل حياتي ونجاحي ونبوغي!"
هكذا لم يخجل الابن الوحيد من أمه الفقيرة التي بذلت كل جهدها ليحيا إنسانًا ناجحًا.

فهل تخجل أيها العزيز من مسيحك الذي افتقر ليغنيك؟! وصُلب لكي يدفع عنك دينك؟ وجُرب لكي يهبك حياة الغلبة والنصرة؟! لتقل مع الرسول: "أما أنا فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح!". حقًا لقد وعدنا: "كل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضًا قدام أبي الذي في السموات" (مت22:10).
صرت أيها الإله القدوس عبدًا،لكي ترفعني أنا العبد إلى رتبة البنين.
صرت آخر الكل،لكي تشركني في مجدك!
كيف أخجل منك يا سرّ مجدي؟!

قصص قصيرة لأبونا تادرس يعقوب ملطى - جزء 1 - قصة رقم 183

أكتوبر 20، 2012

أشعر بالضياع




في يونيو 1996، في فترة العشاء، إذ اجتمع بعض اللاهوتيين من كنائس الشرق الأوسط قال أسقف ليماسول بقبرص في شيء من الفكاهة: “أشعر بالضياع”. سأله أحدنا: “لماذا تقول هذا؟” أجاب إنّي أتكلّم اليونانية وأجيد الإنجليزية والألمانية، لكنّني لا أعرف العربية، فمع معرفتي بكلّ هذه اللغات أشعر كمن هو ضائع، لأنّكم جميعًا تعرفون العربية.
أكمل حديثه قائلاً: “جلس مجموعة من العلماء في مركبٍ صغيرٍفي رحلة بحرية، وكان أحدهم يفتخر أنّه عالم في الرياضيات، والثاني أنّه رجل فلسفة وفكر، وهكذا حاول كلّ واحدٍ أن يبرز قدراته، وأمّا ربّان المركب فكان في خجلٍ من نفسه، فإنّ دراسته بسيطة للغاية، حيث لم ينل درجات علمية. وإذ ساروا قرابة ساعة هاجت الأمواج جدًا وكانت الرياح عاصفة، وصار الكلّ يصرخ، وإذ أوشكت المركب على الغرق، سألهم ربان السفينة: “هل تعرفون السباحة؟!” أجابوا “لا”. قال لهم: “لقد ضعتم! إنّكم تموتون غرقً
ا! ” قد تظنّ أن كثيرين سبقوك في العلم والمعرفة أو في المواهب، لكن افحص ذاتك، فإنه لا يوجد إنسان بلا موهبة، موهبتك التي تبدو لك ولغيرك بلا قيمة قد تنقذ حياتك من الهلاك فلا تستهن بها.

اكشف لي يا ربّ عن مواهبي الخفية! لكي أكون أمينًا في القليل فأنعم بالكثير! لست أطلب منك كثرة المواهب، كأنّني أسألك الأمانة فيما وهبتني! ليضرم روحك القدوس مواهبي، ليعمل فيّ أنا الضعيف. فإن قوتك في الضعف تكمل!

(الأخ إيلي مطر)

أكتوبر 19، 2012

فى قبضة الحب



فى قبضة رجال الشرطة 

دخل عادل حجرة النوم فى خطوات هادئة لم يعتدها من قبل ؛ وأغلق الباب لكنه عوض أن يُلقى بجسدة المنهك على السرير؛ ارتمى على الأرض ؛واسند برأسه على الكرسى؛ وهنا سبحت أفكاره يميناً ويساراً. تجلى أمامه الماضى البعيد والماضى القريب كما الحاضر أيضا . كان يناجى نفسة تارة بصوت مسموع ؛ وأخرى إذ يدرك  أنه فى بيت غريب يصمت ليناجى نفسة سراً:
  لقد عشت يا عادل كل حياتك محروماً من الحب؛ لاتذكر حتى فى طفولتك أن أمك قد احتضنتك يوماً ما ؛ ولا أباك كان يترفق بك ؛ ولا اخواتك يهتمون بك.
عشت لا تعرف العاطفة؛ ولا تذوقت الدفء العائلى . بدأت حياتك الدراسية طفلاً مشاكساً؛ لاتعرف الرقة في التعامل ولا احترام الأخرين؛ تريد أن تنتقم من كل إنسان وتشاغب مع كل  أحد. وكان نصيبك النبذ من المدرسين والطلبة. لم يعرف أحد أن يدخل قلبك ويروى عطشك أو يُضمد جراحاتك الخفية ؛ أما أنت فلا تعرف لغة القلب .
 كان نصيبك الفشل المستمر ؛ فصرت من جماعة المشاغبين ؛ وانتهى امرك بالطرد من المدرسة . قسا الزمان عليك ؛فقسوت على الناس ؛ وصار العنف يسرى فى دمك . تعلمت ان تغتصب كل ما تقدر ان تمتد إليه يديك ؛ فصرت مُحترفا السرقة . واخيراً انتهت حياتك بالسجن  لتعيش حياتك منبوذاً من الجميع ؛ محروماً من اثمن ما فى الوجود : الحرية ! والأٌن ها أنت فى .. فيلا جميلة ؛ أصحابها أغنياء ؛ أغنياء بالأكثر فى الحب! لعلها لأول مرة  ترى  فيها  أناساً يبتسمون فى وجهك ويهتمون بك ولا يحتقرونك  . لماذا يُحبونك؟ وماذا يرجون فيك أو منك ؟! هكذا لم يدرِ  كم من الوقت قد قضاة سابحاً فى أفكاره ؛ يذكر لمسات الحنان التى قدمتها لة السيدة العجوز والملابس الجديدة التى قدمها له  ابناها . لكنه تحت ضغط الإرهاق الجسدى الشديد اغمض عادل عينيه ليغُط فى نوم عميق وهو ملقى على الأرض بلا حراك .
 فجاة ؛ فتح عادل عينية على قرعات الباب الهادئة ؛ وبدأ يفكر بسرعة خاطفة أين هو ؟ وما الذى جاء به إلى هذة الحجرة الجميلة بأثاثها الفاخر . لكنه تدارك الأمر أنه فى استضافة عائلة مُحبة تلقفته بعد أن قضى زمانا فى السجن . فتح عادل الباب ليجد أحد الشابين يعتذر له إن كان قد أيقظه من النوم بقرعات الباب:-       

  آسف جداً يا أخ عادل . فإنى ما كنت أحسبك نائماً  .
 خشيت أن تكون فى خجل من  أن تأتى وتجلس معنا. 

- شكرا يا أخى على محبتك ؛ فقد كنت محتاجاً فعلاً أن أنام كل هذة الفترة الطويلة .

 -  إذن ؛ فلتتفضل معنا العشاء لتعود وتُكمل راحتك .
 ذهب عادل إلى الحمام  وغسل وجهه بسرعة ؛ ثم جلس مع الأم العجوز وابنيها على المائدة . بعد صلاة قصيرة بدأوا يأكلون وهم يتجاذبون  أطراف الحديث. 

-   نرجو أن تكون قد اخدت قسطاً  وافراً  من الراحة .
 -  اشكر الله ؛ فإنى أشعر براحة خاصة وأنا فى وسطكم .
 -  يسرنا جداً أن تعيش معنا ؛ فالمكان متسع ؛ وبركات الرب كثيرة !
 -  أنا لا استحق هذة المحبة ؛ ولا استحق أن أعيش  بين قديسين مثلكم ؛ فإنى إنسان شرير . قضيت عمرى فى الخطية والشر .
 -         لا تقل هذا يا عزيزى ؛ فنحن جميعًا تحت الضعف .ولكل منا خطاياة ؛ لكن الرب يستر علينا برحمته .
 -  لا.....لاتقل هذا . لعلك لا تعرف ما انا عليه ..... فقد امتنزجت  طبيعتى  بالشر ؛ وكأنى والشر صرنا واحداً .
 -  لا تخف ؛ فإن الله الذى خلقنا قدم حياته من أجلنا . أنه يحبنا ؛ نزل إلينا ؛ وصار مثلنا كواحد منا ؛ ودفع حياته ثمناً لخلاصنا .
 - لعلة يُخلص آخرين غيري ........
 -  لا .... بل يريدك  أنت . أنه  يحب كل إنسان ويشتهى خلاص  كل  أحد .
 -  ألم أقل لكم  أنتم  لا تعرفوننى . لقد قضيت حياتى كلها فى الشر ؛ لقد امتزجت حياتى بكل اصاف الخطية  ؛ وما أظن  إنى اقدر أن اتخلص منها !
 -         الله الذى يحب الخطاة هو يقدر أن يعين الجميع . لقد غير حياة الزنا والعشارين ودخل بيهم إلى الفردوس .

 -   إذ انتهوا من العشاء غسلوا ايديهم ؛ ونزلوا معاً إلى الحديقة يُكلمون الحديث عن محبة الله اللانهائية . حتى انسابت  دموع عادل بغزارة ووقف الكل يصلون . 

-  بعد فترة ليست بطويلة ارادت العائلة أن ترحب بالضيف أكثر فأكثر  ,
 فسالوة  إن كان يأخذ  فكرة عن الفيلا ومحتوياتها  . فأجاب بالايجاب وبدءوا يسيرون معه من حجرة إلى حجرة ؛  يكشفون له عن اسرار البيت كله . واخيراً استقرت وقفتهم أمام قطعة أثرية جميلة وُضعت على البيانو .
 -  إنها قطعة جميلة .
 -   نعم ، واثرية أيضاً  ؛ (أجابت العجوز) .
 -   وما ثمنها  .
 -  إنها تساوى خمسة آلاف جنيهاً مصرياً  . لكنها فى نظرنا أثمن من ذلك بكثير ؛ أنها لا تقدر بثمن  . فهى تحمل  ذكرى والدى واجدادى الذين توارثنا عنهم .
 بعد أن أخذ عادل فكرة عن البيت ومحتوياته ؛ دخل الجميع الحجرة المخصصة للصلاة العائلية ؛ وأمام أيقونة السيد المسيح صلى الكل ؛ وذهب كل منهم إلى حجرة نومه . وضع عادل راسه على الوسادة وحاول أن ينام لكنه لم يستطع إذ بدأت الأفكار تتراقص فى ذهنه . كيف تفلت . هذة القطعة الأثرية من يدى ؟ لكن كيف اخون الذين احبونى  من كل القلب ؟ وهل أعيش عالة عليهم كل أيام حياتى ؟ لأعيش عالة ولا أسرق؛ فقد وعدتهم ألا أعود إلى الخطية مرة أخرى . ما قيمة قطعة أثرية فى أيدى أناس أغنياء ؛ هم ليسوا فى حاجة إليها . لأسرقها وأبيعها كى أجد عملاً تجارياً شريفاً ؛ فلا أعود أنحرف بعدها ! فى وسط الصراع العنيف قام عادل وتسلل وسط الظلام على أطراف أصباعة حتى بلغ إلى الصالة ؛ وهناك وقف أمام القطعة متردداً . مدّ  يده ليمسكها ؛ ثم عاد فتراجع ؛ وتكرر الأمر مرة ومرات؛ وأخيراً تشدد وامسك بالقطعة  وتسلل نحو الحديقة ليجد الباب الحديدى مغلقا . لن هذا لا يشكل مشكلة ؛ فبسرعة البرق قفز من  السور إلى الشارع  ليجد نفسة أمام رجلين من الشرطة ؛ أمسكا به .  ارتبك عادل جداً ؛ ولم يعرف ماذا يفعل . لقد فتشه الرجلان ووجدا معه القطعة الأثرية فاخداها منه واقتاداه إلى دار الشرطة.

فى دار الشرطة     

ايقظت العجوز أحد ولديها على أثر قرعات غريبة على الباب بعد منتصف الليل ؛ وكانت المفاجأة أن فتح الشاب ليجد أمامه رجلين من الشرطة : -         لاتقلق ؛ فقد امسكنا رجلاً يقفز من سور حديقتكم ومعه بعض المسروقات ؛ فأتينا نخبركم .
 -  اشكركما تفضلا .
 -    ضابط البوليس ينتظرنا ؛ ويطلب رب البيت  أن يحضر ليتعرف على المسروقات .
 -  حالاً أحضر معكما .
 -   سمعت الأم العجوز الحديث ؛ فادركت أن عادل هو المقصود.  للحال أسرعت نحو حجرته لتجد الباب مفتوحا ؛ وإذا دخلت لم تجده . عندئذ خرجت وأصرت أن تذهب مع ابنها إلى دار الشرطة . وعبثا حاول ابنها أن يثنيها عن عزمها .
 -  انطلق الشاب بعربته ومعه والدته العجوز ورجلىّ الشرطة ؛ وهناك إذ دخل الكل حجرة الضابط؛  سلمت الام على عادل سلاماً حاراً ؛ إما هو فقد نكس رأسه ولم يقدر أن يرفع عينيه ويتطلع إليها . تعجب الضابط من المنظر .
 -  اتعريفنه يا سيدتى ؟
 -   نعم أعرفة جيداً ؛ أنه صديقنا الحميم !
 -  لقد وجدناه  يقفز من سور حديقتكم .
 - إنه صديقنا  والبيت هو بيته .
 -  وجدنا معه قطعة أثرية ثمينة .
 -  أنا أعطيته إياها لكى يعالج عيبًا فيها .
 -  ألا تتهمي بالسرقة .
 -   مستحيل .
 -  إذن نتركه على مسئوليتكم !
 - لا، بل سناخذه معنا يبيت اليلة عندنا .
 لم يتحمل عادل هذه المحاورة فقد شعر كأنه  وقد افلت من يد الشرطة صار أسير حب فريد لم يذقه من قبل . وهنا تسللت  الدموع من عينيه وهو جامد الحركة لا يعرف ماذا يقول ولا يتصرف ؛ عندئذ تقدم الشاب فى محبة ؛ وامسك بيده؛ واقتاده الى السيارة ليذهب معهما إلى الفيلا .
 عند باب السيارة ثقلت قدمى عادل جداً وانهمرت دمعومة بكثرة وهو يقبل يدى الأم العجوز ؛ قائلا :
 
"سامحينى فقد أسأت لليد التى أحسنت إلىّ " .

 - لا تقل هذا يا عادل ؛ فإن الله يغفر لنا كل يوم .
 - اشكرك ؛ لكننى لا أقدر  أن أعيش  أسير هذا الحب  . إنى لا استحق حبكم ولا أستطيع أن أقف وسطكم .
 -  إن كنت قد حكمت علينا أننا نحبك فأسمح أن تقضى بقية الليلة معنا .
 - لا أحتمل يا أمى ؛ فإن ناراً تلتهب داخلى !
 -  لاتقل هكذا يا عادل ؛ اسمح أن نعود جميعاً فرحين .
 تحت لجاجة الأم العجوز ركب عادل معهما حتى وصلا الفيلا . وهناك نزل من السيارة  ليقف على الرصيف  وعيناه قد تسمرتا متجهتين نحو المكان الذى قفز منه .  ربتت الأم على كتف ودخل الكل إلى الفيلا ؛ حيث تسلل عادل إلى حجرته ليقضى بقية الليلة يجهش فى البكاء ؛ وفى الصباح الباكر بعد أن صلى مع العائلة وأخذ افطاره استاذنهم وخرج بلا عودة !
 مع الراهب دانيال
 مرت السنوات وأصيبت الأم  بمرض الفالج (الشلل) الذى أفقدها قدرتها على الحركة ؛ فصارت حبيسة بيتها مع ابنيها الرجلين اللذين يبذلان كل الجهد فى خدمة الكنيسة .
 كان الابنان  يلتقيان كل مساء مع امهما ليشترك الكل معاً فى الصلاة العائلية ؛ وبعد دراسة فى
 الكتاب المقدس  يسير الولدان بامهما إلى أحدى الشرفات على عجلة ؛ خاصة بها ؛ ويقضون وقتا ليس بقليل يتحدثون في  سير القديسين السابقين ؛ وما يدور حول شخص  الراهب  دانيال . فقد فاحت سيرتة المقدسة فى كل
 أنحاء القطر ؛ وتحول الدير إلى مزار يفد إليه الناس من كل صوب يلتمسون بركة القديس ؛ الأمر الذى دفع بالراهب دانيال أن يترك الدير ويهرب إلى مغارة على بعد عدة أميال من الدير .
 فى إحدى الليالى ؛ قالت الأم لولديها : "اذهبا إلى أبينا دانيال ليبارككما ؛ واطلبا منه ان يصلى عنى ."
 -  ولماذا لا تأتى معنا يا أماه ؟
 - أنت تعلم يا ابنى إنى عاجزة عن الحركة ؛ ولا أريد أن أثقل عليكما . يكفينى أن تنالا أنتما البركة .
 - لا ..... بل إن أردتِ فلتذهبى معنا ليصلى عنك فيهبك الرب الشفاء .
 -  أنا لا أطلب  شفاءً للجسد بل أشتاق إلى إن أكمل أيامى فى رضى الرب واعبر سريعاً.
 -  لا تقولى هذا يا أمى فنحن محتاجون بركتك معنا .
 -  لقد اكملت رسالتى يا ابنى ........إنى اشتهى أن أنطلق واكون مع  السيد المسيح ؛ وذلك افضل جداً .
 أصر الابناء أن يأخذا امهما معهما وقرر الكل أن تكون الرحلة فى اليوم التالى . وبالفعل فى الصباح المبكر جداً سار الابنان بأمهما إلى السيارة ؛ وحملاها إلى المقعد الخلفى  لتستريح ؛ وانطلق الكل نحو البرية إلى الدير .
 لم يكن من السهل أن ينزلا بأمهما من السيارة ويحملانها على العجلة ليدخلا بها إلى كنيسة الدير . فى الطريق إلى الكنيسة قالت الأم فى ألم : "ارجو أن تتركانى فى الدير هنا وتذهبان أنتما إلى المغارة ؛ فان السيارة لا تقدر أن تصل إلى المغارة ؛ أظن أن العجلة لا تقدر أن تسير فى الرمال . يكفينى أن تذهبا و تطلبان منه ان يصلى عنى .
 وأنا أنتظركما هنا حتى آخر اليوم  .
  - لاتخافى يا أمى ؛ فإن الله سيدبر الأمر ؛ نحن قد أتينا من أجلك  وسنسأل أن كان بالدير (جيب ) تقدر أن تصل بنا الى المغارة .
 - لا تتعبان ؛ ولا تحرجا أنفسكما مع الأباء الرهبان .
 -  لقد علمتينا اننا بالإيمان لا يوجد مستحيل .
 هنا بلغ الكل باب الكنيسة ؛ حيث خلع الكل أحذيتهم ودخلوا فى مخافة وهدوء إلى الهيكل حيث سجد الابنان إلى الأرض وصليا . أما الأم فقد انذرفت دموعها وهى تصلى بكلمات غير مسموعة . وبعد أن قبل الكل أجساد القديسين خرجوا يسألون عن الراهب دانيال .
 سال أحد الابنين راهباً: كيف يمكننا الذهاب إلى المغارة ابينا دانيال؟ 

- هل تريدون أبانا دانيال ؟
 -لو سمحت ؛ فإننا مشتاقون أن ننال بركته ؛ وأمى كما تراها مريضة بالفالج .
 - على أى الأحوال ؛ أن تدبير الله حسن ؛ فإن الاب دانيال حالياً فى الدير .
 أشار الراهب إلى الموضع الذى يجلس فيه أبونا دانيال ؛ الذى تفرس فيهم كثيراً وهم قادمين . واذ وصلوا اليه مع الراهب سألوا : أبانا دانيال ؟
 اجاب الراهب فى هدوء : نعم أنت .......أنت بولس ؟ 

-  كيف عرفتنى ؟
 - وانت بطرس.؟
 -  نعم ......اتعرفنى ؟
 - هل هذه أمكما ؟
 - نعم !
 وفى لحظات ضرب الراهب دانيال مطانية أمامهم ثم أخذ الابنين بالأحضان وصار يقبلهما ؛ ثم تقدم إلى الأم وصار يقبل يديها وهو يبكى .
 وقف الكل فى دهشة ؛ بل وتجمع عدد ليس بقليل من الرهبان يرون هذا المنظر الغريب . أخذ الراهب يقول للأم العجوز : ألا تعرفينى ؟! أنا ابنك عادل ؛ الذى احتملتم ضعفه وأسرتموه بالحب حين سرق القطعة الأثرية ...أنا عادل الذى كنت لصاً ؛ وعلى أيديكم عرفت مسيحى ! إنى مدين لكم بكل حياتى فى المسيح يسوع !  ثم ركع الراهب دانيال بجوار العجلة وصلى فى اتضاع  وانسحاق بدموع غزيرة ورشم الأم  بالزيت باسم الله القدوس الآب والابن والروح القدس ؛ فتحركت الأعضاء اليابسة ؛ وقامت
 العجوز عن العجلة لتمسك بيديها الأب دانيال وهى تسبح الله وتمجدة .     

هذة القصة رواها لى قداسة القس اثناسيوس بطرس وطلب منى تسجيلها فى أسلوب قصصى ...وإن كنت قد قمت بتغيير بعض احداثها.
 
قصص قصيرة لأبونا تادرس يعقوب ملطى – قصة رقم 185

أكتوبر 09، 2012

ليلة الاستعداد


دعي أحد الخدام إلى وليمة في يوم سبت مساءًا فاعتذر، ولما حاول البعض الضغط عليه ليعطي سببًا لاعتذاره قال:
"عندما يلتزم طبيب بالقيام بعملية جراحية خطيرة يستعد لها قبل دخول حجرة العمليات بالتعقيم. فلا يلمس شيئًا غريبًا، ولا شيئًا سامًا.

وإنني إذ أحضر يوم الأحد لاشترك في الذبيحة المقدسة، وانطق بكلمة اللَّه أحسب نفسي طبيبًا يمارس عمليات جراحية للنفوس، لذا أحاول أن أحفظ نفسي ليلة الأحد أن أكون في حالة تعقيم تام. فلا أحمل معي شيئًا ضارًا للشعب أو سامًا.

إني أكرس ليلة الأحد لأجلس مع سيدي كما في حجرة التعقيم، استعد لخدمة شعبه في يوم الأحد".

اجعلني طبيبًا للنفوس، أيها الطبيب الأعظم.

أخدم النفوس، فتتقدس لك،انطق معك أيها القدوس قائلًا: من أجلهم أقدس ذاتي.

* لأحملك أيها القدوس إلى نفوس أحبائي المجروحة،

ولا أحمل لهم سموم خطاياي الخفية.

* اجذبني فنجري جميعًا نحوك!

قصص قصرة لأبونا تادرس يعقوب ملطى - جزء 1 - قصة رقم 184

استضافة حمار وبغل

بلغ الأخوان موسى وبولس مدينة بلبيس، وكانا يسيران معًا في شوارعها وسط ظلام الليل يتحدثان عن صديق العائلة الصراف إقلاديوس وزوجته وأولاده الثلاثة، وكان قلباهما يلتهبان شوقًا لرؤية هذه العائلة التي ارتبطا بها بروح الحب وقد عُرفت بالتقوى وحياة الصلاة.

لم يشعر الأخوان بالوقت خلال ذكرياتهما اللطيفة وحديثهما الطويل بخصوص عائلة الصراف إقلاديوس، حتى وجدا نفسيهما أمام باب عم إقلاديوس يقرعانه. فتح الرجل لهما الباب، ولم يصدق نفسه إذ رأى الشابين أمامه، فمنذ وفاة والديهما لم يلتقِ بهما قط. أخذهما بالأحضان وكان يقبّلهما والدموع تجري من أعين الكل.

أسرعت زوجته إليهما تسلم عليهما في شوقٍ كما إلى ابنيها العزيزين جدًا عليها، وصارت تسألهما عن والدتهما وأحوالها بعد وفاة أبيهما. أما أولاد عم إقلاديوس الثلاثة ففرحوا جدًا برؤيتهما. جلس الكل معًا، وتحول ظلام الليل إلى بهجة عيد مفرح. وكان الكل يتجاذب الحديث. وفي هدوء تسللت الزوجة إلى خارج الحجرة حيث قامت بذبح "إوزة" وإعداد العشاء.

انقضت قرابة ساعة بعدها أخذ العم إقلاديوس موسى في حجرة مستقلة وكان يسأله عن حياته الروحية وسلوكه وتجارة المرحوم والده. أجاب موسى: "أشكر اللَّه، فالتجارة تسير على ما يرام، وبركات اللَّه لا تُحد، لكن ما يقلق نفسي هو أخي بولس، فإنه لا يعرف المرونة، لا يصلح في العمل التجاري، إنه "حمار" يمثل ثقلًا عليّ في أعمال التجارة. عندئذ تنهد العم إقلاديوس في مرارة، وتساقطت الدموع من عينيه، وهو يقول: كيف تدعو أخاك حمارًا يا ابني؟ إنه أخوك، يلزمك أن تحبه لا أن تدينه وتسيء إليه، تنظر إلى حسناته وفضائله ومواهبه لا إلى سقطاته وضعفاته. لكن موسى لم يبالِ بالكلام!

جلس العم إقلاديوس مع بولس أيضًا على انفراد، وإذا سأله عن أحواله وأمور تجارة والده، أجاب كأخيه أن كل شيء يسير حسنًا لكن أخاه "كالبغل" يثور ويهيج عليه بلا سبب، لا يتصرف بحبٍ وحكمةٍ، عندئذ بدأ العم ينصحه باحتمال أخيه وعدم إدانته، فلم يهتم بولس بكلماته.

إذ مضت أكثر من ساعة دخل العم إقلاديوس المطبخ، وعاد يحمل صينية عليها طبقان بغطاء، وإذ خرج أولاده الثلاثة وتركوه مع الضيفين قدم لهما الصينية للعشاء.

غسل الشابان أيديهما وجلسا حول المائدة، وإذ كشفا الطبقين كانت المفاجأة أنهما وجدا قليلًا من العدس والفول غير مطبوخين. تراجع الشابان إلى الوراء، كل منهما ينظر إلى الآخر في دهشة، كأنهما يتساءلان: ما هذا الذي يفعله العم إقلاديوس؟ ألعله أخطأ في الصينية، أم أنه تصرف عن عمد لعِلةٍ بينه وبين والدهما؟!

ساد الحجرة جو من الصمت، قطعه الرجل الوقور، بقوله في هدوء: "لماذا تندهشان يا ولديَّ؟! أليس هذا هو طعام الحمار والبغل؟! فقد دعوت يا موسى أخاك حمارًا، وأنت يا بولس دعوت أخاك بغلًا... فلتأكلا إذن فهذا هو الطعام المناسب لكما!"

* هب لي عينيك يا محب البشر، أرى بهما كل إنسانٍ كما تراه أنت!

أستر على ضعفاته كما تستر أنت عليّ!

* هب لي ألا تخرج كلمة جارحة من فمي، بل أنطق بلسانك يا كليّ العذوبة!

* هب لي فكرك فلا أدين أحدًا!

   قصص قصيرة لأبونا تادرس يعقوب ملطى- جزء 1 - قصة رقم 186



سبتمبر 28، 2012

الجمال الفائق



التقى فايق بخادم التربية الكنسية مقار وفي صراحة مع مرارة نفس قال الفتى لخادمه:
"لا أعرف لماذا خلقني اللَّه؟ ليس فيّ شيء صالح. إني إنسان غضوب. كثيرًا ما أُحزن قلب والديّ، بل وقلوب أصدقائي. بذلت كل الجهد لأحيا بروح الوداعة والبشاشة ووعدت اللَّه كثيرًا ألا أغضب لكنني لم استطع. ماذا أفعل؟"
أجاب الخادم:
[لا تحزن يا فايق، بالأمس وقفت أنا وزوجتي أمام شجرة تفاح في حديقتي وكانت مملوءة بالثمار. قطفنا تفاحة شهية الطعم وجميلة المنظر. وإذ كنا نأكلها معًا، قلت للشجرة: "ما أجملك وما أشهاكِ أيتها الشجرة، شكلك جميل، وفروعك مملوءة بالثمار!"
ابتسمت زوجتي وقالت لي: "ألا تذكر كيف كانت ثمار هذه الشجرة غير صالحة للأكل، لكنك أنت طعمتها بفروع شجرة أفضل. يداك هما اللَّتان جعلتا منها شجرة جميلة ومثمرة! لو لم تطعمها بالفروع الصالحة لبقيت شجرة بلا نفع، تستحق أن تُقطع وتُحرق في النار. فشكرًا لك يا زوجي العزيز."
ما فعلته أنا بالشجرة المستحقة للقطع يفعله معي سيدي يسوع المسيح، فقد قدم لي حياته وطعَّمني فيه، جعل مني شجرة جميلة المنظر ومملوءة من ثمر الروح. بدونه لا استحق سوى القطع وأن أُلقي خارجًا في نارٍ أبديةٍ. إنه يحقق معي وعده: "الذي يثبت فيّ وأنا فيه يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا"(يو5:15).]
صمت فايق قليلًا ثم قال لخادمه مقار: "لكني غضوب، هل ينزع اللَّه عني روح الغضب؟"
أجاب مقار: "إنه يحوله إلى غضب مقدس ونافع؟"
سأل فايق: "كيف؟ هل يوجد غضب مقدس ونافع؟"
أجاب مقار:
[قطعًا نعم. فبدون الغضب لا أستطيع أن أقدم توبة صادقة. لأغضب، لا على الآخرين بل على نفسي. لأثور، لا ضد الناس بل ضد الخطية التي تقتحم نفسي! هذا هو عمل الروح القدس يأخذ ما هو معيب فينا ويهبه بلمسات نعمته جمالًا فائقًا.]
سأروي لك يا فايق قصة واقعية:
في لقاء للفنان جون راسكن John Ruskin مع إحدى قريباته وجدها تبكي بمرارة، وإذ سألها عن السبب قالت له: "لدي منديل حريري جديدًا اعتز به، لأن له ذكريات خاصة، وقد سقط عليه حبر فشَّوهه... قدمته لأكثر من شركة تنظيف، فقالوا لي أنه يستحيل نزع الحبر عنه... إني لن أستريح!"
ابتسم الفنان، وأخذ منها المنديل، وقال لها: "لا تضطربي، سأعالج هذه المشكلة. انطلق الفنان إلى مرسمه وفي لحظات أمسك بفرشاته ورسم وردة جميلة على البقعة، ثم عاد إلى قريبته يقدم لها منديلها. أما هي فقالت في دهشة: "إنه ليس منديلي!" أجابها "لا، بل هو منديلك، لكني حولت البقعة القبيحة إلى صورة جميلة!"
فرحت السيدة بالمنديل وشكرت الفنان الذي حوَّل ما هو قبيح إلى جمالٍ فائقٍ، وردَّ لها فرحها وبهجتها!"
هذا ما يفعله بنا الفنان الأعظم، حين يمسك روحه القدوس بنفوسنا ليجعل منها أيقونة حيَّة للسيد المسيح الفائق الجمال. فنجد أن نفوسنا قد تغيرت تمامًا وتجددت...لقد ولدنا من جديد في مياه المعمودية، وعمل فيها الروح بلا توقف.

* نفسي بين يديك أيها الفنان الأعظم!
 روحك القدوس يحول قُبحي إلى جمال فائق!  يُخرج من قبري مَقْدسًا مباركًا! يحول ترابي إلى سماء!
 يقيم من أعماقي أيقونة حيَّة لك!  لك الشكر والمجد،  لأن كل ما بين يديّ هو من عملك أيها القدوس.

قصص قصيرة لأبونا تادرس يعقوب ملطى – جزء 1 – قصة رقم 192

يوليو 23، 2012

الدين قد وفى ..!!



كتب اللورد كونجليتون congleton  إعلاناً جاء فيه أنه قرر إعفاء كل السكان الذين يلتقون معه فى مكتبه فى صباح يوم ما من كل الالتزامات السابقة . دهش السكان ولم يصدقوا، اذ كانوا يتوقعون انه سيقدم الذين لم يدفعوا الإيجار أمام محكمة العقارات ليلزمهم بالدفع أو الطرد. ظن الكثيرون أنه حتما يقوم بعمل خدعة خفية، فلم يذهب أحد فى الميعاد المحدد إلى مكتبه للقائه.
فى اللحظات الأخيرة دخل أحدهم المكتب فوجد اللورد ينتظر القادمين.
 سأله اللورد: هل تتوقع أننى أعفو عنك بخصوص الدين الذى عليك؟
الساكن: حقا أتوقع هذا يا سيدى!
اللورد: ولماذا تتوقع هذا؟
الساكن: لأنك لورد، وقد وعدت!
اللورد: هل تثق فى وعدى؟
الساكن: قطعا يا سيدى.
اللورد: لماذا؟
الساكن: لأنك لورد، لن تخدع إنساناً فقيراً مثلى.
وقع اللورد ايصالا يؤكد فيه إيفاء كل الدين عن هذا الساكن وسلمه له.
فأمسك الساكن الورقة، وصار يلوح بها وهو يقول: "لقد علمت يا سيدى أنك لا تخدعنا، ليباركك الله يا سيدى اللورد!"
اندفع الكثيرون نحو مكتب اللورد لكن الوقت المحدد كان انتهى والباب اغلق!
هكذا قدم اللورد درسا حيا فى الايمان العامل. لقد امن الساكن بوعد اللورد، وانطلق إلى مكتبه فى يقين ليتمتع بالحوار معه, وينال وفاء دينه!
****************
v    لأدخل بالإيمان الى حضرتك، واثق فى وعدك الالهى، بدمك الثمين تغسل كل دنس نفسى،
وتفى عنى كل دينى! v    كم أنت حلو ورحوم يا مخلص نفسى!لماذا اتباطأ فى الالتقاء بك!لأدخل مادامت ابواب مراحمك مفتوحة!
قصص قصيرة لابونا تادرس يعقوب ملطى – قصة رقم 175