أنار البصيرة


من النفوس التى قبلت الإيمان ودخلت حظيرة المسيح الراعى الصالح، وهى متقدمة فى السن.. توجد عينات مختارة بحق قبل أن تتصور فى الرحم، وقد بدا اختيارها واضحاً كوضوح الشمش فى رابعة النهار. وقد شاهدنا ذلك بأعيننا، فصار فينا عزاء بانعمة والرجاء.



إن كنيسة المسيح ستظل تلد أبناْ للمسيح إلى مدى الدهور لأن الروح القدس الذى يخصبها، كان فيها وحال حلولاً دائماً. ولأن الكنيسة لا تشيخ ولا يعتريها العقم بل هى مخصبة وولود. وهذة عينات ممن وضعتهم النعمة فى طريقنا للعزاء والتشجيع، وراينا اة من الواجب ان تتعزى نفوس كثيرة بالتعزية التى نلنها من اللة.



من هذة النفوس احدى السيدات،قبلت الايمان وهى فى اواخر الاربعينات من عمرها وهى ام لاولاد وبنات، ولما انفتح قلبها للرب،انفتح بلا مانع وبلا عائق فاحبت الرب حبا فائقا غامرا، وتمتعت بصليب المسيح ودمة الغالى ايما تمتع.



فكانت بعد ان نالت نعمة العماد مواظبة على الصلاة وحضور القداسات والتناول من الاسرار بشغف وجوع وعطش لا يعبر عنة.



وفى ابريل سنة 1979 كنت اعمد مجموعة من الامريكان بكنيسة مارمرقس الكاروز فى لوس انجلوس وفى اثناء دورتهم فى الكنيسة بعد القداس،وهم لابسون ثيابا بيضاء وممسكون بالشموع الموقدة، كانت هذة السيدة تزغرد بصوت عالى،وكان الفرح والسرور مع دموع غزيرة تهطل من عينيها.وكانت تقول: " انا الوحيدة التى اشعر بما يشعرون واعرف قيمة النعة التى حصلوا عليها.... لانكم انتم تعمدتم اطفالا فكبرتم فى النعمة، اما انا فحرمت منها زماناً هذا مدتة، فلما اعطانى الرب أن أذوق طعم حبة، صرت اقدر مدى سخاء المسيح ونعمته المتفاضلة على."



وكانت تقول لى :"لو جاز ان يكون فى الحياة المسيحية حسد، فإنى احسد الذين ولدوا فى النعمة منذ نعومة اظافرهم وشبوا فيها وتمتعوا بها مدى الحياة" وكنت اقول لها: " إن النعمة ليس لها قياس، فليس بكيل يعطى اللة الروح ، وما يمكن ان يحصل علية انسان فى لحظة من الزمان، قد لا يقاس بو ما يحصل علية آخر فى سنوات وسنوات. "



" هكذا يكون الاخرون اولين والاولون اخرين. لان كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون"



وكانت السيدة فى بساطة القلب، وبساطة الايمان تفرح بالكلمة فرحا روحيا عجيبا، وكانت تستوعبها بقامة روحية فاقت كثيرين ممن طال عهدهم فى الكنيسة. وكانت هناك عقبة فى سبيل نمو هذة السيدة، فهى امية لم تعرف القراءة والكتابة. وكانت تتعذب إذ انها تريد ان تغترف لنفسها من ينابيع الحياة وتزداد فى المعرفة.... تريد ان تقرا الانجيل، وتصلى المزامير. لقد كان مصدر معرفتها الوحيد، هو السماع... تسمع الكلمات فى العظات، وتسمع الالحان، وقراءة الانجيل، ولكنها لا تستطيع ان تستزيد بنفسها: فالكتب بالنسبة لها شى مختوم... وحدث انة مع الايام التى كانت تتردد فيها على الكنيسة، انة ازداد شوقها الى المعرفة،وحنينها إلى القراءة فى كلمة الله.


و فى احد الايام كان الشماس يوزع المزامير على جموع المصلين فى بداية القداس... ثم عبر بها ووزع عليها مزمورا، فهزت راسها ولم تكن فى يديها اجبية، وقد تاثرت تاثرا بالغا. وبعد القداس الالهى عادت إلى منزلها، ودخلت حجرتها، إلى الرب بدالة عجيبة وقالت له: كيف أن جميع الناس يتمتعون به ويصلون إليه، وهى محرومة من هذه النعمة وتوسلت إليه قائلة: "لابد أن تعطينى هذه النعمة لأقرأ" وكانت تبكى بحرقة قلب. وياللعجب.. فتحت الأجبية فى يدها، وكان أن الرب أنار ذهنها فقرأت للحال بدون معلم، وهى لا تعرف الألف من الياء. وجاءتنى مسرعة فى حالة من الفرح والتهليل.. تكاد تطير.. وكم كانت دهشتى إذ كانت تقرأ المزامير أمامى بطلاقة وبدون أخطاء.. ومجدت الذى قال- وهو الصادق فى مواعيده- "لا يعلم كل واحد أخاه أو كان واحد ابن مدينته، قائلاً اعرف الرب لأن الجميع سيعرفوننى من صغيرهم إلى كبيرهم " ." وأيضاً يكون الجميع متعلمين من الله" .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق