عفواً لا للسلطة


في وسط النزاع المرّ بسبب تشكيل المجلس الملي العام في بدء قيامه أصر البابا كيرلس الخامس على تغيير اللائحة التى تسلبه حقوقه في تدبير أمور الكنيسة حتى الراعوية، بينما أبى بطرس باشا غالي التغيير। تمت إجرءات الانتخابات في دار البطريركية التى قصدها بطرس باشا، مستخدمًا رجال الشرطة، حيث منعوا الدخول إلى البطريركية وطردوا العاملين فيها، وصرفوا تلاميذ المدرسة الكبرى وأساتذتها। أعلن البابا رفضه التام لكل ما حدث واحتج أمام الحكومة التي أصرت على بقاء اللائحة كما هي عليه... وانعقد المجلس لينتخب من يكون وكيلاً للبطريركية يدير شئون الأقباط مع سلب الأب البطريرك حقوقه وأيضًا انتخاب رئيسًا للمجلس... رفض الأساقفة جميعًا الوكالة، لكن الأنبا أثناسيوس أسقف صنبو وافق أن يحتل هذا المركز। وإذ كان أسقف صنبو قادمًا إلى القاهرة، خرج أسقف بني سويف والأراخنة والشعب على محطة القطار ببني سويف। فتح الأنبا أثناسيوس شباك القطار ليحييهم، فما كان من أسقف بني سويف إلا أن يعلن حرمانه من فم الثالوث القدوس وفم البابا إن لم يرجع في القطار التالي إلى بلده। اُستقبل أسقف صنبو رسميًا في القاهرة، وإذ بلغ دار البطريركية ومعه مرافقوه وجدوا أبوابها مغلقة، وكانت الجماهير تصرخ: "يا محرومون! يا محرمون!" في الإسكندرية أصدر الأساقفة المجتمعون مع الكهنة قطع الأنبا أثناسيوس... لكن قوى الشر صاحبة السلطان الزمني نجحت في إصدار قرار بنفي البابا في دير البراموس ومطران الإسكندرية في دير أنبا بولا। انطلق البابا إلى الدير دون مقاومة، وسلم كل ممتلكات البطريركية وأرصدتها، كما قام بتوزيع حتى ثيابه، وعاش في الدير يعمل في مزرعته الصغيرة بفرح وبهجة قلب। فُتحت أبواب البطريركية بالقاهرة ودخلها أسقف صنبو والقمص فيلوثاوس। وفي الأحد 4 سبتمبر 1892، في أول قداس يقيمه الأسقف هناك قرأ خطأ الإنجيل الخاص بخيانة يهوذا، وحينما نبهه القمص فيلوثاؤس كاهن الكاتدرائية الكبرى ارتعد الأسقف وجزع وصار كمن في غير وعيه وأكمل فصل الخيانة। في نفس القداس إذ كان القمص فيلوثاؤس يرفع القرابين المقدسة سقطت الصينية من يديه، وفي نفس اليوم سقط الكأس من يد الكاهن الذى كان في الإسكندرية، وفي الأسبوع التالي سقطت المجمرة في كنيسة الإسكندرية واحترق جزءًا من سجاد الهيكل... فارتعب الشعب لما يحدث। أعلن الشعب كله استنكارهم للموقف وامتنعوا عن ممارسة الأسرار والخدمات من قداسات إلهية وعماد وزواج وجنازات ملتجئين إلى كنيسة الروم التى رحبت بهم وقدمت لهم العبادة باللّغة العربية। أدرك المسئولون خطورة الموقف وصدر أمر الخديوى في 20 يناير 1893 بعودة البابا والمطران. دُهش محافظ القاهرة لاستقبال الشعب لأبيهم البطريرك حيث كانت الجماهير كالبحر الزاخر، وقد حملوا سعف النخيل وهم يرنمون ويسبحون اللَّه، وكانت النساء يزغردن ببهجة قلب. أول عملٍ قام به البابا صاحب القلب المتسع أنه أعلن لشعبه حبه للجميع، وانه قد رفع الحرمان عن كل مقاوميه، وأنه يرقى أسقف صنبو مطرانًا. ازداد البابا تقديرًا في أعين شعبه، بل وفي عينيْ اللَّه محب البشر! >

هب لي يارب قلبًا لا يخاف الناس، ولا يرهب كل قوى الشر! هب لي ألاّ أتكل على ذراعٍ بشرىٍ، بل أطلب مساندة السماء! هب لي يارب الحب لا السلطة، فلا استغل الغير بل أحبهم، انحني بالحب لغسل أقدامهم، وأحملهم إلى الصفوف الأولى، كي أرجع إلى الصف الأخير، فأجدك هناك تنتظرني!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق